العلامة الأميني
283
النبي الأعظم من كتاب الغدير
كان صلّى اللّه عليه وآله أخبره بما يجري عليه من البلاء والعناء وما يصنع به من طرده من الحواضر الإسلاميّة : مكّة ، والمدينة ، والشام ، والبصرة ، والكوفة . ووصفه عند ذلك بالصلاح ، وأمره بالصبر ، وأنّ ما يصيبه في اللّه ؛ فقال أبو ذر : مرحبا بأمر اللّه . فصلاح أبي ذر يمنعه عن الأمر بخلاف السنّة بما يخلّ نظام المجتمع ، وكون بلائه في اللّه يأبى أن يكون ما جرّ إليه ذلك البلاء غير مشروع . وإن كان ذلك خلاف الصالح العام ولم تكن فيه مرضاة اللّه ورسوله لوجب عليه صلّى اللّه عليه وآله أن ينهاه عمّا سينوء به من الإنكار وهو يعلم أنّ تلك الدعوة تجرّ عليه الأذى والبلاء الفادح ، وتشوّه سمعة خليفة المسلمين ، وتسوّد صحيفة تاريخه ، وتبقى وصمة عليه مع الأبد . وما كانت الشريعة السمحاء تأتي بذلك الحكم الشاقّ الّذي أتّهم به أبو ذر ، ولم يكن قطّ يقصده وهو شبيه عيسى في أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله زهدا ونسكا وبرّا وهديا وصدقا وجدّا وخلقا . هكذا وصفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله غير أنّ عثمان قال لمّا غضب عليه : « أشيروا عليّ في هذا الشيخ الكذّاب ، إمّا أن اضربه أو أحبسه أو اقتله » . وكذّبه حين روى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حديث بني العاص . عجبا هذا جزاء من نصح للّه ورسوله وبلّغ عنهما صادقا ؟ ! لاها اللّه هذا أدب يخصّ بالخليفة ! وأعجب من هذا جواب عثمان لمولانا أمير المؤمنين لمّا دافع عن أبي ذر بقوله : « أشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون » « 1 » ؛ أجابه بجواب غليظ أخفاه الواقدي وما أحبّ أن يذكره ، ونحن وإن وقفنا عليه من طريق آخر لكن ننزّه الكتاب عن ذكره .
--> ( 1 ) - أنظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 375 - 387 [ 8 / 252 - 262 ، خطبة 130 ] [ الغدير 8 / 430 ] .